جريمة غسل الأموالِ معقّدة، أحد أوجه تعقيدها أنّ الركن الماديّ مركّب من سلوكياتٍ متنوعةٍ مُتسلسلةٍ، هذا التعقيد ينسحب على الركن المعنويِ العلم والإرادة. لا يجد محامي الدفاع كبيرَ عناءٍ عند دفعهِ بانتفاء الركنِ المادي؛ لافتراضِ ألا يختلف معه أحدّ في تحديد ماهيّتهِ، فهو سلوكيات محددة، معيّنة، مُعرّفة، لكن ساحة الاختلاف في كل مرةٍ هي ساحة إثباتِ، أو نفيِ الركن المعنوي؛ لاستنباطهِ - في حالاتٍ ليست قليلة- من الوقائع؛ لذا ينص نظام مكافحة غسل الأموال السعودي لعام 1439 هـ على تَحقّق القصد، أو العلم من خلال الظّروف، والمُلابسات الموضوعية، والواقعية للقضية، خلافاً للنظام السابق. ولأن الإدانة يلزم أن تكون يقينية، ونعني ثبوت أركان الجريمةِ فإنّ من العدلِ، والتماشي مع مباديء القانون الجنائي أن تكون الإدانة في جرائم غسل الأموالِ - فيما يتعلق بالركن المعنوي- بإثبات علمِ المتهمِ بكافّة مراحلِ جريمة غسل الأموالِ؛ لأن جريمة غسل الأموال ليست وِحدةً واحدةً، ليست شيئاً يقع من فعلٍ واحدٍ، ليست جريمة قتلٍ تتحقق بإزهاق روح إنسانٍ معصومٍ، على يد إنسان آخر؛ قاصداً القتلَ بما يقتل عادةٍ، ومادامت كذلك فإن من اللازم -عدلاً- أن ينصبّ بحث الدائرة القضائية عما يُثبت علم المتهم بكافّة مراحل الغسلِ. وقد وقفتُ على حكمٍ قضائيٍ من المحكمة الجزائية بالرياض ذهب مذهباً منصفاً حول ما نحن بصددهِ؛ وتضّمن ما نصه: ( فبعد الدراسة والتأمل، وتحرير الأدلة، والدفوع، واطلاع الدائرة على أوراق القضيةِ، وبالنظر إلى الأفعال الصادرة من المتهمين بشأن الوصف الجرمي، نجد أن ما قاموا به لا يمكن وصفه غسل أموال، وإن كانت متحصلات الأموال غير مشروعة، فلم يظهر في هذه الأفعال ارتكاب جريمة غسل الأموال؛ فلا يكفي لقيام الجريمة أن يكون المال من متحصلات جريمة، فلا بد من وجود العلم والقصد والغرض، حيث نصت الفقرة الثانية من المادة الرابعة من نظام مكافحة غسل الأموال على: "يُتحققُ من القصد، أو العلم، أو الغرض في ارتكاب غسل الأموال من خلال الظروف، والملابسات الموضوعية، والواقعية للقضية"، واستناداً على ذلك فإن القصد الجنائي في جريمة غسل الأموال له أهميةٌ في تكييف الواقعة؛ لأنّ عملية غسل الأموال يظهر فيها القصدُ والعلمُ من خلال العلمِ بالمراحلِ التي تمرّ بها تلك العملية، ولذلك لا يمكن تكييف كل اكتسابٍ غير مشروعٍ على أنه جريمة غسل أموال، حيث إن جريمة غسل الأموال تتحقق في تحويل أموالٍ ، أو نقلها ، لأجل إخفاء المصدر غير المشروع لتلك الأموال أو تمويهه)، هذا فهمّ تقدميّ جداً، وعميقٌ للغاية؛ إنّه يفسّر طبيعة جريمة غسل الأموال المركّبة من عدة مراحلِ؛ لأن الغاية إخفاء مصدر المال غير المشروع، أو تمويهه، وبالتالي فحتى نتحقق من أن المتهم ارتكب الجريمة فلابد أن يتماشى علمهُ مع الوصولِ إلى هذه الغايةِ؛ ولذا لو كان المال من مصدرٍ غير مشروعٍ كأن يكون من جريمة رشوةٍ، ثم حوّله الشخصُ إلى حسابِ شقيقه البنكي، كان تحويلاً فقط، عمليةً واحدةً فقط، إنّنا نؤكدُ - والحال هذه - على أنّه لا يستقيم أن يكون هناك جريمة غسل أموالٍ؛ لأن التمويه، أو الإخفاء غاياتٌ غير متحققة، والمنظّم أوضح الغاية بإخفاء مصدر المال غير المشروع، أو تمويهه؛ وفق المادة الثانية من النظام؛ فسهولة الوصول إلى المال في حساب شقيق المتهم -مثلاً-، ومن خلال كونه ذهب إلى حسابه بعملية واحدة، ومن أخيه الذي يحوّل إليه باستمرار، ويتلقى منه تحويلات تجعل الأمر كما قلنا؛ الفكرة ليست في الصعوبة بالمفهوم، وإنما فيها كغاية، ونسوق هذا مثالاً -فحسب- على الفكرة الرئيسية حول غاية إخفاء مصدر المال غير المشروع، أو تمويهه في جرائم غسل الأموال كمكوّن أساسي في بُنية الجريمة .
فريقنا متاح للإجابة على استفساراتك وتقديم الاستشارات القانونية المناسبة
اتصل بنا الآن